الشبكة النسائية العالمية
  نرجو المشاركة في التصويت الموجود في الصفحة الرئيسية ( نظرتك لعمل المرأة المسلمة)   الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله ، الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، ولله الحمد   
 
 
 
 
 
 نحو تأصيل فكري للممانعة المجتمعية
 تاريخ المقالة : 7/11/1433هـ  عدد القراءات : 1613
نحو تأصيل فكري للممانعة المجتمعية
الشيخ الدكتور محمد بن إبراهيم السعيدي
الخميس 28رجب1432هـ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ومن نهجه إلى يوم الدين أما بعد:
نشأة القِيَم:
أخلاق الأمم وآدابها ورؤاها وعباداتها وعاداتها وأعرافها والتي يمكن أن نسميها في سائر هذه الورقة قيم الأمة،الأصل فيها:أنها تنشأ من داخل تلك الأمم.
ولن يكون هذا عائقاً دون أن تؤثر الأمم في بعضها وتتأثر بحكم الجوار أو المخالطة أو أي شيء آخر، بل ربما يُعد مدى قدرة الأمة على التأثير في غيرها مقياساً متفقا عليه على قوة حضارتها بصرف النظر عن الحكم الشرعي عليها، كما أن مدى قدرتها على التأثر يُعَد مقياسا متفقاً عليه على مدى تعلقها ببنائها الحضاري واستنباط قيمها من داخله بصرف النظر أيضا عن الحكم الشرعي على ذلك البناء.
والمفكرون يعدون الأمم التي لا تقبل التأثير الحضاري أمما منغلقة حضاريا غير قابلة للتطور، وذلك أن التطور لا يمكن أن يتم لأمة من الأمم دون أن تأخذ من الأمم الأخرى لأن الحضارة كما يقولون مشترك إنساني لا يمكن أن تبنيه أمة وحدها.
وهذا الأمر بقدر ما هو صحيح بإطلاق في جانب الحضارة المتعلق بالمعرفة فهو صحيح إلى حدٍ ما فيما يتعلق بما تعارفنا على تسميته قبل قليل بقيم الأمة والذي يتكون من الأخلاق والآداب والعبادات والعادات والأعراف.
وذلك أن القيم للأمة الرائدة يجب أن تتكون في داخله نتيجة تفاعل الإنسان مع دينه وبيئته ولغته وتاريخه ومقدرات أرضه، وهي ما سنتعارف عليه في هذه الورقة بأصول القيم، فيتكون من ذلك التفاعل: كلُ ما يحكمُ الناسَ في تصرفاتهم مع محيطهم وتصوراتهم للكون والحياة.
إذاً فكما أن العناصر لقيم الأمة هي:الأخلاق والآداب والتصورات أو الرؤى للكون والحياة وكذلك العبادات و العادات والأعراف، فإن الأصابع التي تنسج هذه العناصر وتقدمها في صورتها النهائية للعالم هي دين الأمة والبيئة التي تعيش فيها ومقدرات أرضها وتاريخها ولغتها، وهي مكونات القيم أو مادتها الخام، والتفاعل المستمر بين البشر وبين هذه المكونات يترتب عليه استمرارٌ في إنتاج القيم الاجتماعية للأمة بشكل متَّسِق وغيرِ متناقض.
وحين نلحظ أن شيئاً من قيم الأمة نشأ بعيدا عن هذه الأصول أي نشأ من تفاعل مع دين آخر أوتاريخ آخر أوبيئة أخرى فإن هذا الخلق أو هذه العادة أو هذه الرؤية ستظل ناتئةً مناقضةً لسياقِ المجتمع بأسره بما يحمله من ثقل ثقافي كبير.
ومقدارُ معاناةِ هذا القيمة الوافدة من رفضٍ اجتماعي يمكن أن يكون مقياساً لمدى تفاعل المجتمع مع الأصول المكونة لقِيَمِهِ الاجتماعية والتي تَقَدِّم سردُها قبل قليل.
وحين نجد أن المجتمع قد استطاع هضم عادة أو خلق تكوَّنا خارج محيطه وغَفَل عن مناقضتها لسياق هيئته الاجتماعية العامة فهذا يعني أن هناك نقطة ضعف في تفاعل المجتمع مع دينه أو تاريخه أو بيئته وسائر الأصول المكونة لقيمه، ومن نقطة الضعف تلك يمكن أن تَفِد إلى المجتمع أشكالٌ مختلفة من القيم الدخيلة سوف تؤدي كثرتها إلى كثرة التناقضات في هيئة المجتمع،الأمر الذي سينفرج حتماً عن صورة لهذا المجتمع ضعيفة الصلة بالأصول المُكَوِّنَةِ لِقِيَمِه، أي: أنها ستُنتِجُ لنا مجتمعاً غير منتمٍ لأصله، وهذا هو الشرط الأول كي تحظى الأمة بقيم رائدة.
وقد يتفاعل المجتمع مع بعض أصول قِيَمِه دون بعض, فيتفاعل مع التاريخ أو البيئة أو المقدرات بمعزل عن الدين، وهذا هو سر نشوء أخلاق أو عادات أو تصورات ورؤى غير حميدة بالرغم من كونها وُلدت ونشأت في أحضان هذا المجتمع.
ينتج عن هذا أن نعلم أن الشرط الثاني من شروط وجود قِيَمٍ اجتماعية رائدة أن يكون تفاعل الإنسان لإنتاج سلوك اجتماعي أو عادةٍ أو عرفٍ أو رؤيةٍ خاصةٍ أو عامةٍ مستغرقاً لكامل أصول القيم الاجتماعية لا مع البعض دون الآخر وإلا فإننا سوف نبني بإغفال بعض أصول قيمنا هيئة اجتماعية محطمة.
تجربة تاريخية:
وهذا الأمر, أي: تَكَوُّنُ القيم نتيجة تفاعل الإنسان مع بعض مكوناتها الأصيلة دون بعض, هو ما حصل بالفعل في العالم الإسلامي عبر قرون عديدة مرت بها القِيَم الاجتماعية في مختلف بلاد المسلمين.
فقد نشأت عادات وأعراف ورؤى وتصورات سيئة جداً رغم أنها تكونت من داخل العالم الإسلامي وكان السر في سوئها أنها لم تراع الدين في تكوينها غالباً وفي أحيان أخر لم تراع التاريخ والبيئة واللغة، ومما يؤسف له أن الضعف في محاولات إصلاح هذا الخطأ، بل محاربة حركات أفذاذ العلماء المستمرة للإصلاح, أدت إلى سيادة الصورة المشوهة لقِيَم الأمة في العالم الإسلامي، وأصبح التخلف الفكري والبعد عن العقيدة الصحيحة وسيادة الخرافة والجور والتسلط هي السمة المعرِّفة للمسلمين بل وأصبحت تنسب زوراً للإسلام.
وهذه الصورة المشوهة للقيم الاجتماعية الإسلامية هي أكثر العوامل تأثيراً في نجاح الحروب الصليبية الأولى، كما أنها أبرز عوامل نجاح ما يُسمى بالاستعمار في العصور المتأخرة.
وبعد الاستعمار الغربي لمعظم بقاع العالم الإسلامي بدأ المسلمون يحتضنون عناصر قِيَمِيَّةً لأممٍ أخرى، أي يحتضنون أخلاقاً وعاداتٍ ورؤى وتصوراتٍ نشأت في بيئات مختلفة عن البيئة الإسلامية،ونتيجة لعدم تفاعل الإنسان المسلم في عصور الاستعمار وما قبل عصور الاستعمار مع كامل أصول قِيَمِه الاجتماعية -الدين والبيئة واللغة والتاريخ ومقدرات الأرض- استطاعت هذه العناصر الدخيلة العيش بسلام في هيئتنا الاجتماعية, الأمر الذي أحدث الكثير من التناقضات بين صورة المجتمع المسلم وبين المكونات المفترضة لهيئته الاجتماعية، حيث ظهرت العناصر الوافدة على السطح وأصبحت تَحكُم علاقات المسلمين ببعضهم وعلاقاتهم بغيرهم ثقافيا واجتماعياً بل وتحكم علاقتهم بالكون الذي يعيشون فيه والحياة التي يحيونها.
ومما زاد الأمر سوءً ظهور اجتهادات فقهية تحاول الربط بين هذه العناصر الوافدة من قيم الآخرين وبين الأصول المكونة لقيمنا وأعظمها الدين، وإظهار هذه العناصر كواقع مهيمن لا محيص عنه وإظهار الدين والتاريخ الإسلامي كله على شكل كائن هلامي يمكن أن يتشكل كما تشاء الظروف.
والحقيقة التي لا ينبغي أن يغفل عنها مسلم فضلا عن علماء المسلمين: أن الإسلام جاء لتشكيل الواقع وتغييره لا للاستسلام له والسير على وفقه، لكن غياب هذه الحقيقة أو التغافل عنها أدى إلى تهاوي كثيرٍ من أحكام الشريعة الإسلامية أمام سلطة الواقع في العالم الإسلامي، وأصبح مظهر المسلمين لا يعبر عن دينهم ولا تاريخهم بل يعبر عن تناقضات بشعة بين هيئة اجتماعية مستوردة وبين مكونات أصيلة تحاول الظهور بين الفينة والأخرى.
من أسباب سوء الواقع القِيَمِي:
هذا الواقع السيء المتمثل في تناقض كثيرٍ من قيم المسلمين مع أصولهم بسبب كثرة الدخيل في عاداتهم وعباداتهم وأخلاقهم ورؤاهم وتصوراتهم، وعدم تفاعلهم مع أصولهم في تكوين عناصر قِيَمِهم، هذا الواقع يرسم له المؤرخون لهذا العصر كثيراً من الأسباب التي أدت إليه، فيذكرون منها:هيمنة الاستعمار الغربي وجنوح الأمم المغلوبة إلى تقليد الأمم الغالبة بشكل تلقائي كما يذكرون منها الجهل والاستبداد السياسي وأشياء أخر لا يسعنا تفصيلها الآن.
لكن الذي لا يذكرونه بشكل واضح هو غياب الممانعة المجتمعية أو قُل: ضعف الممانعة المجتمعية.
لأن الممانعة المجتمعية لو كُتِب لها الوجود لاستعصت القِيَمُ على كلِ الأسباب التي ذكرها المؤرخون أو لم يذكروها، لكن المؤسف هو أن الممانعة المجتمعية كانت ضعيفة جداً الأمر الذي جعل تلك العوامل تتضافر في تغيير صورة المجتمع المسلم ثقافيا وأخلاقيا بشكل قليل النظير في سرعته.
تعريف الممانعة المجتمعية:
وهنا يأتي دور تعريف الممانعة المجتمعية لنستكشف كيف كان ضعفها أو انعدامها سبباً في تغير صورة المجتمعات الإسلامية وحصول هذا التناقض الواضح بين حقيقة الإسلام وصورة المجتمع المسلم.
فهي: اقتصار المجتمع على دينه و بيئته وتاريخه ومقدرات أرضه ولغته في إنتاج آدابه وأخلاقه ورؤاه وعباداته وعاداته وأعرافه.
ويلزم من هذا الاقتصار: رفض المجتمع تبني كل أدب أو رؤية أو خُلُق أو عبادة أو عادة أو عرف ليس نتاجا لدينه وبيئته وتاريخه ومقدرات أرضه ولغته.
وهل يعني ذلك رفض مطلق التأثر بالآخرين ؟
الجواب: أن المجتمع حين يكون متفاعلا مع الأصول المكونة لقيمه بشكلٍ صحيح فإنه سيكون تلقائياً أكثر تفاعلاً مع هذه الأصول في تصفية ما يرد عليه من قيم خارجة عنه, بل إنه سوف يمارس بطريقة تلقائية أيضا ما يشبه أن نسميه توطين القيم الواردة عليه بحيث تدخل في سياق هيئته الاجتماعية بشكل لا يُشير أبدً إلى جذورها التاريخية.
أهمية الممانعة:
ترجع أهمية الممانعة المجتمعية إلى كونها الوسيلة الأضمن والأقوى لحفظ الهيئة الاجتماعية للأمة من أن تضمحل بعامل استجلاب قِيَمٍ لم تصنعها الأمةُ ولم تُنتِجها بطريق التفاعل بين المجتمع وبين الأصول المكونة لقيمه وهي: دينه و بيئته وتاريخه ومقدرات أرضه ولغته.
وكذلك هي الوسيلة الأضمن لحفظ المجتمع نفسه من أن ينتج قِيَمَاً لم يتفاعل فيها الإنسان مع كامل الأصول التي تبنى عليها القيم.
فالأمر الثاني من خلال مراجعة تاريخ الأمة هو سبب للأمر الأول فإن إنتاج قيمٍ غيرِ معروضة على الدين أولاً ثم على جميع أصول القيم المجتمعية التي تقدم ذكرها سوف يُؤَدِّي حتماً إلى رضوخ المجتمع للقِيَم المستوردة،وذلك لأن بناءه القِيَمِي حينذاك يكون قد اختُرِق وبقوة، وهذا ما حدث فعلا في عالمنا الإسلامي.
نظرة في تاريخ القيم عند المسلمين:
فإننا حين نسبُر تاريخ الأخلاق والأفكار عند المسلمين نجد أن ضعف المجتمع في جانب ما أسميناه في بداية هذه الورقة بِقِيَمِ المجتمع قد بدأت بوادره في الدبيب سريعاً،حيث رأينا إرهاصات التغير الفكري والقِيَمِي مبكراً لدى المسلمين بشكل غير متناسب مع القوة التي بدأ بها الإسلام.
وحين نقرأ كتاباً أُلِّفَ في وقت مبكر من تاريخ الإسلام وهو كتاب مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري (ت324) فإنه ليصيبنا الذهول من كثرة النزاعات العقدية بين المسلمين في وقت مبكر.
وإذا انتقلنا سريعاً إلى العصر الحديث وطوالعه نجد أيضا أن القِيَم الاجتماعية الدخيلة قد صبغت المجتمع المسلم بشكل سريع لا يتناسب أبداً مع ما في الإسلام من دعوات متكررة بالالتزام والتمسك.
ولم تكن مشكلة المسلمين فقط مع القيم الوافدة، بل أيضا مع القيم التي تشكلت خطأ، أي دون تفاعل كامل وصحيح مع ما أسميناه أصول القيم في المجتمع المسلم.
فتنحية فهم الصحابة الكرام للكتاب والسنة منذ وقت مبكر عن الحكم على القيم والرؤى وغيرها لدى عدد من البيئات الاجتماعية الإسلامية كالبيئة الخارجية والبيئة المتشيعة أدى إلى نشوء الابتداع في الدين، وتوالت البِدَعُ ابتداء من تغير الرؤى والتصورات للدين والكون والحياة على هيئة آراء في القضاء والقدر والحكم والعدل وصفات الباري عز وجل، ودون انتهاء إلى ما تجاوز العقيدة إلى العبادات فلم تنته عند زيادة عبادات في الدين لم يأذن بها الله تعالى بل وصلت بالناس إلى الإشراك بالله تعالى، دون أن يشعروا وذلك بصرف أشياء من العبادة لغير وجهه سبحانه وتعالى، واستمر هذا الوضع في تزايد حتى غلبت تلك البدع في ظهورها وسيطرتها على صحيحَ التصورات والعبادات الواردة في كتاب الله وسنة رسوله.
أدى ذلك إلى رواج الخرافة بين المسلين ثم إلباسها لباس الدين حتى أصبحت الكهانة والعرافة والسحر وهي من المحرمات نصا تسمى بالسيادة ويسمى أصحابها بالأسياد أو أهل الله،ويُعطون عند الناس، وربما عند الكبراء منهم منزلة لا يحصل عليها الكثير من أكابر العلماء.
فلم تكن المشكلة آنذاك قِيَمَاً وافدة -وإن كان فيها قدرٌ لا بأس به من الوافدة- بل كانت المشكلة في تكوين قيم ومفاهيم من داخل الأمة ولكن الأمة كونتها بمعزِلٍ عن الأصول المفترضة للقيم في الأمة المسلمة وبخاصة الدين بمصدريه العظيمين الكتاب والسنة.
فما الذي حدث أخيراً؟
الذي حدث: أن المجتمع المسلم كان منشغلاً بالقِيم الاجتماعية التي نسجها لنفسه دون إجراء التفاعل الصحيح مع أصوله، أي أنه كان يعيش تناقضاً كبيراً جداً بين قيمه المصطنعة وبين جذوره التي ترفض هذه القيم الأمر الذي أحدث جهلاً وضعفا كبيراً في النفسية المسلمة وهو ما سهل الطريق أمام عادات الغرب وتقاليده ورؤاه لتصبغ المجتمعات المسلمة وتَطبَعَهَا بِطَابَعِهَا.
هنالك بدأت عناصر الهيئةِ الغريبةِ السائدةِ في المجتمع الغربي تنتقل بسرعة عجيبة إلى العالم الإسلامي ويتقبلها المجتمع المسلم بشكل ملفت للنظر، فالغرب المستعمر لم يحضر بكامله في بلاد المسلمين وإنما أرسل قليلا من أبنائه على هيئة عسكريين في الغالب وفي أحيان على هيئة علماء ومستشرقين وعمال، ومع كل هذا يظلون قلة قليلة، لا يستطيعون عند حساب المسألة حسابا منطقياً أن يغيروا وجه مجتمعٍ عريقٍ في قِيمه وحضارته بهذه الصورة السريعة،لكن الأمر الذي سهل لقيم الحضارة الغربية الولوج إلى المجتمع المسلم وصبغه بصبغتها كونُ المجتمعِ لم يفعل سوى أن استبدل قِيَماً اجتماعيةً مناقضة لجذوره،مستوردة من الغرب،بقيم أخرى مناقضة لتلك الجذور أيضا لكنه صنعها بنفسه،أي أن ما صنعه المجتمع إنما هو استبدال قيم مناقضة بقيم أخرى لا تقل عنها مناقضة، وربما سَرَّع في هذا الاستبدال أن يكون قد وَجَدَ في القِيَمِ الجديدة من احترام العقل والاستمتاع بالحياة في إطار من العلم والهيمنة مالم يجده في هيئته الأولى التي صنعها بنفسه بعيداً عن أصوله وكانت هيئةً مُعتِمَةً تحكمها الخرافة والجهل.
ما الذي حدث حتى تتناقض جذور المجتمع المسلم مع هيئته الاجتماعية بسرعة لا تتناسب مع قوة التشريع الذي أسند إليه، سواء أكان ذلك التناقض بسبب تغيير فكري وأخلاقي من داخل المجتمع كما هو الحال في العصور الأولى والوسطى من تاريخ المسلمين أم باستيراد هيئات اجتماعية غريبة على الأمة لتكون هي الصورة المعبرة عنها.
الذي حدث فيما يظهر لي هو ضعف الممانعة المجتمعية في كلا الحالتين.
فالمجتمع تخلى عن مسؤوليته في حفظ أخلاقه وعباداته وعاداته وتصوراته عن طريق عرضها على دينه وتاريخه الخاص به وبيئته التي يتحرك خلالها ومقدراته التي يعيش بها ولغته التي يتحدث بها، تخلى عن مسؤوليته تلك، وقَبِل التمرد على فهم الصحابة للدين من وقت مبكر في تاريخه فبدأت تنشأ القيم والأفكار بمعزل عن الدين وعن خصوصية التاريخ والبيئة حتى وصل الإسلام في بلاده إلى مرحلة الغربة التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: ((بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبا للغرباء))
المجتمع لم يُقَاوِم مظاهرَ الترفِ والاستخفافِ بالمعاصي منذ بواكير الدولة المروانية حيث بدأت هذه البوادر من مأرز الإسلام من مكة والمدينة، ولم يقاوم جاهلية الأدب المتمثلة في نقائض جرير والفرزدق والأخطل وغيرهم، ولم يقاوم حركة الأدب المتهتك على يد عمر بن أبي ربيعة والعرجي ونصيب والأحوص ولم يقاوم الفتنة بين النزارية واليمانية.
ولم يقاوم بدعة الإرجاء والجبر وتكفير الصحابة الكرام والصد عن سبيلهم.
كما لم يقاوم بدعتي النصب والتشيع على حد سواء.
كل هذه المشكلات التي لا يقرها الإسلام ظهرت جلية في المائة الأولى بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وكانت مقاومتها تتلخص في فتاوى للعلماء العظماء في ذلك الوقت لكن هذه الفتاوى لم تكن نتائجها تظهر على هيئة استجابة سريعة من المجتمع للوقوف ضد هذه الانحرافات.
والسبب في ذلك - في زعمي - هو أن تلك المشكلات كانت إما قليلة الظهور بحكم تباعد الأمكنة بين المسلمين وضعف انتشار حدوث المنكر،وإما قليلة الأثر كبعض البدع العقدية التي تقدم ذكرها.
لذلك لم تكن تشغل بال المجتمع المسلم كثيراً وهو ينظر إلى واقعه الذي يطغى فيه الخير وحب السنة وتوقير العلماء.
يضاف إلى ذلك: كثرة حديثي الإسلام من الأمم الأخرى وقلة اللذين عاصروا الرسالة من فئام الناس.
ولعل الأسوأ من أسباب ضعف الممانعة في بعد الثلث الأول من تاريخ الإسلام: أن المجتمع المسلم قد انشغل عن مقاومة هذه الظواهر بالفتن الأعظم والتي طالت الدماء والتي يَعُدُّها المؤرخون سبباً في نشوء كثير من الأفكار الغريبة عن منهج الصحابة كفتنة القول بالقدر والنصب والتكفير والتي نشأت كردات فعل من بعض من لم يتمثل منهج الصحابة الكرام على ما شجر بينهم من نزاع وما حصل بعد الخلافة الراشدة من ملك عضوض.
وعدم السرعة في الاستجابة من المجتمع آنذاك لمحق المنكر في مهده، مهما بررنا له كان هو الغرسة الأولى للانحراف بالأمة الإسلامية عن حقيقة دينها، فقد تطورت بدعة القدر والإرجاء إلى مذاهب أصبحت هي السائدة بين المسلمين كالجهمية والمعتزلة والكلابية والأشعرية والماتريدية، وتطورت بدعة التشيع ليخرج منها مذاهب شتى لا حصر لها وكذلك ما كان من أمر التصوف الذي نتج عنه القول بالحلول والاتحاد ووحدة الأديان.
ولا شك أن لهذا الضعف في الممانعة في تلك العصور المتقدمة أسبابه المختلفة التي يمكن للمؤرخين دراستها لكن الذي يجب أن نستفيده منها كمرحلة تاريخية هو خطر الركون إلى ظاهر المجتمع الجيد أو إلى الدولة القائمة بشرع الله تعالى لمنع تسرب الخلل في الهيئة المجتمعية بل يجب أن نركز على واجب الأمة في التنبه إلى مسؤوليتها في نفي الخلل عنها وهو ما يسمى بالممانعة المجتمعية.
أما عصرنا الحديث
فقد كان بُعدُ المجتمعات المسلمة فيه عن تحمل مسؤوليتها في مقاومة تغيير هيئته الاجتماعية أظهر من أن يُستدل عليه، يدل على ذلك نظرةٌ دقيقة في التاريخ الحديث للمجتمعات الإسلامية لتجد أن شيوع القِيَمِ المستوردة فيها لم يستغرق من الزمن ما يمكن أن يتناسب مع عظمة الإسلام الذي تدين به تلك الشعوب.
وليس أمامنا إلا أن نقبل كل الأسباب التي يُقدمها المؤرخون لهذا التدهور السريع و لكن الذي لا ينبغي الغفلة عنه هو أن الممانعة المجتمعية يزداد بؤسهاُ في أكثر الدول الإسلامية استجابة لهذه التغييرات.
من هذه الإلماحة التاريخية يمكن أن نُحَمِّل الممانعة المجتمعية مسؤولية الحفاظ على هوية الأمة المسلمة وهو ما ينبغي أن يتعلمه المسلمون، فالحفاظ على القيم ليس مسؤلية الدول وحدها وليس مسؤلية العلماء وحدهم لكنه مسؤولية المجتمع بأسره بجميع أفراده وليس العلماء ورجال الدولة إلا أعضاء في بناء المجتمع.
وسوف أتحدث عن كيفية دعم الممانعة المجتمعية والموقع الصحيح فيها للدولة والعلماء بعد أن أجيب عن سؤال مفترض، وهو
هل نادى الإسلام بمثل هذه الممانعة المجتمعية ؟
قطعاً، المصطلح جديد ولا أعلم أول من أبرزه، كما أنني أظن أن الهدف من إبرازه كان نقد ممانعة المجتمع ضد القيم الوافدة، وهي النبرةُ التي لا نزال نستمع إليها من كثير من الكتاب ومن بعض المحسوبين على طلب العلم الشرعي أيضا، مع تباينٍ كبيرٍ بين مرادهم من الممانعة ومرادِنا منها، لكن ما نقصده بالممانعة وهو ما لخصته في التعريف المقترح لها أجد أن آيات الكتاب العظيم وكثير من التشريعات الإسلامية تصب في صالح الدعوة إليه، أي الدعوة إلى أن يكون المجتمع المسلم منفرداً ببناء قيمه التي تتلخص في آدابه وأخلاقه ورؤاه وعباداته وعاداته وأعرافه. وأن تكون تلك القِيم مستمدة من دينه الذي لا بد أن يكون مصدراً وحاكماً، وكذلك بيئته وتاريخه ومقدرات أرضه ولغته.
ومن ذلك:
أولا:ترسيخ مفهوم الخيرية والفضل على جميع الأمم لدى المسلمين وأن مصدر هذه الخيرية إنما هو الالتزام بالدين وتعاليمه وليس له مصدر آخر عِرقي أو إقليمي، وذلك في قوله سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [البقرة: 143], قال المفسرون: وسطا, أي: خياراُ وعدولا,فالمجتمع الذي يشعر بخيريته على الأمم جميعها، واعتلائه عليها بمنصب الشهادة عليها يوم القيامة لا يمكن أن يكون مجتمعا متهافتاً إلى ما تنتجه تلك الأمم من قِيم مخالفة لما لديه، وبعكس ذلك حين يغيب الشعور بالخيرية عن مجموع المجتمع فإن الذي يحل محله في ظروف الضعف الساسي والاقتصادي والعسكري هو الشعور بالنقص والهوان أمام تلك الأمم، وهو ما يجعل الرؤوس والصدور والبيوت مُشرَعةً أمام كل تغيير يأتيها من قبل هذه الأمة الغالبة.
وكذلك قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران:110]
وهذه الآية ربطت بين التأكيد على خيرية هذه الأمة وبين أسلوب من أساليب الممانعة المجتمعية وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكان هذا الأسلوب هو التكليف الذي تحقق الأمة به خَيرِيَّتَها على الأرض بصورة عملية، كما أن الإيمان بالله يحقق خيريتها بصورة اعتقادية.
وهذا الشعور بالخيرية نجده أشد ما يكون ضآلة لدى المسلمين في الأوقات التي يكثر فيها تهافتهم على قِيم غيرهم من الأمم التي فضلهم الله تعالى عليها، الأمر الذي يؤكد على هذا الارتباط الوثيق بين شعور الأمة بخيريتها ومناعة قِيَمِها.
ثانياً: إلحاح آيات الكتاب العزيز على شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واللافت أن التكليف بهذه الشعيرة لم يأت على هيئة أمرٍ بها في القرآن الكريم، وإنما في معرض سرد صفات المؤمنين سوى آية واحدة وهي قوله تعالى:
{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران:104] وهي عند التأمل لا تخرج عن هذه القاعدة كثيراً إذ هي في سياق صفات المؤمنين أيضا.
أما سائر الآيات فهي واضحة في الدلالة على ما بينت، انظر مثلا قوله سبحانه: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران:110]
وقوله سبحانه {يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران:114]
وقوله عز وجل: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة:71]
وقوله سبحانه: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112]
وهذا الأسلوب القرآني في تقديري والله تعالى أعلم أمكنُ في التعبير عن مكانة هذه الشعيرة إذ إن إيرادها في مساق صفات أهل الإيمان مشعر بأنها من لوازمه.
كما أن الموصوف بها ليس فئة من المؤمنين دون فئة بل يستوي في وجوب الاتصاف بها المؤمن الحاكم مع المؤمن المحكوم والرجل والمرأة والصغير والكبير والحر والعبد.
بل حتى قوله تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41] ليس خاصاً بالحكام دون المحكومين، بل هو وصف لكل مؤمن، وإن كانت الآية تشير بلفظ التمكين إلى أن المسؤلية في جانب الشعائر المذكورة ترتفع بارتفاع القدر الذي آتاه اللهُ العبد من التمكين في هذه الأرض، فليست مسؤولية المحكوم عن هذه الشعيرة بالقدر نفسه الذي للحاكم.
وتحميل الأمة عبء هذه الشعيرة لتكون مسؤولية الحفاظ على الدين بما يحمله وما يرشد إليه وما ينتجه تفاعل الإنسان معه من قيم هي مسؤوليتها بأسرها.
وهذا عدل إلهي عظيم منه سبحانه وتعالى حيث إن العاقبة الدنيوية للتفريط في منهج الله عز وجل تَطَال الجميع لا تفرق بين حاكم ومحكوم ولا رفيع ووضيع.
{فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} [الأنعام:44]
وجميع الآيات التي تُذَكِّر بعاقبة التخلي عن أمر الله نجد الخطاب فيها عاماً للمجتمع بأسره، لأن التقصير حادث من الجميع ولا تُسأل عنه فئة دون أخرى.
إلا أن القائمين بتكليف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يثيبهم الله تعالى النجاة من هذا السخط العام وذلك في حال أدائهم لهذا الواجب كما أمروا به وصبرهم على ما يلاقون من تقصير أقوامهم وتخذيلهم إياهم عمَّا يقومون به من موعظة {وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 165-164]
ثالثاً: مبدأ التواصي أقرته سورتا البلد والعصر، قال تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} [البلد:17] وقال سبحانه {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1- 3]
والتواصي تكليف أعم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصفته: أن يُثَبِّتَ المؤمنون العاملون بالصالحات والمتراحمون بينهم بعضهم بعضاً على هذه الخصال ويتعاهدون أحوالهم فيما بينهم فيما يُشبه أن يكون عملية مراجعة وتحديث لقوة هذه الخصال في نفس الأمة، وهو ما عبَّر عنه القرآن بالنفع في قوله تعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ الذاريات55فالتذكير هو الأسلوب الأمثل للتواصي المؤدي إلى النفع، والنفع كما لا يخفى كلمة جامعة يدخل فيها كل ما هو ضد الضُر، أي أن كل ما يكسب المؤمنين زيادة تنأى بهم عمَّا يُلحق الضر بدينهم، من التثبيت عليه وزيادة المنعة في الاستمساك به وبما يصنعه الدين في النفوس من قيم وأخلاق.
ونجد أن التواصي جاء في القرآن مختصا بالحق والصبر والمرحمة، ذاك أن الحق هو الدين بعقائده وشرائعه وما يؤدي إليها وما يحفظها، والصبر أهم الأدوات للمحافظة على هذا الحق الذي يتعارض كثيراً مع أهواء النفوس التي تميل بشكل طَبعي إلى الإغراق في اتباع الملذات، فلم يكن من سبيل للتمسك بالحق سوى الصبر.
أما المرحمة فهي ضمانة مهمة لتماسك المجتمع المسلم وتضامنه حيث إن الرحمة صفة محركة للمخلوق تدفعه إلى فعل شيء من أجل حفظ إخوانه من الضرر، ومن الضرر ما هو ظاهر يدركه المؤمن وغيره، ومن الضرر ما ليس بظاهر بل هو خفي جداً لا يدركه حق إدراكه سوى المؤمين.
وهذا الضرر الخفي الذي يقتصر إدراكه على المؤمنين، هو الضرر الناتج عن عدم التبصر في عواقب التفريط في أوامر الله تعالى أو التهاون في كل ما من شأنه أن يؤدي إلى شيء من هذا التفريط أو التهاون حالاً أو مآلا.
الناتج من هذا أن التواصي شعيرة ربانية جاءت لتقوية الممانعة المجتمعية التي يجري الحديث حولها.
الرابع: من شواهد مناداة الإسلام بالممانعة المجتمعية: عقيدة الولاء والبراء، وقد يتشنج البعض لدى تسميتها عقيدةً، لكن أحداً لا يستطيع أن ينكر أنها من الظهور بحيث يحتاج تأويلها إلى غير هذين المعنيين -مودة المؤمنين ومباغضة الكافرين- إلى تعسف تأويل كامل القرآن أو أكثره.
ومباغضة الكافر لما ينطوي عليه قلبه من عقيدة أهل النار تسوق القلوب المؤمنة إلى مجافاة ما يأتي به من قِيَم, ولا شك أنها طريقة ممتازة لحفظ الهيئة المجتمعية للمسلمين من الاختراق، سواء أكان ذلك اختراقا قِيَمِيَاً أو عسكرياً.
وشواهد التاريخ لعلاقة المسلمين بغيرهم تؤكد على أن الاختراق العسكري لم يتمكن منه أعداء الإسلام إلا بعد مرحلة أولى من تحطيم حاجز البراء من الكافرين لدى المجتمعات الإسلامية المخترقة.
والمطلع على سيرة لورنس العرب وقدرته العجيبة على تجييش العرب المسلمين لمصالح بريطانيا آنذاك يدرك أثر غياب عقيدة الولاء والبراء لدى المسلمين فيما حققه ذلك الرجل من نجاحات.
الخامس: النهي المتواصل من الرسول صلى الله عليه وسلم عن مشابهة الكافرين بجميع أصنافهم وفي كل شيء قد يوهم التقاءً في الهيئة بين المسلمين وغيرهم، داء ذلك تارة على سبيل النهي عن المشابهة على الإطلاق وتارات أخر على سبيل النهي عن أحوال خاصة من المشابهة.
فمن الأول قوله عليه الصلاة والسلام:((من تشبه بقوم فهو منهم)) رواه أحمد وأبو داود، وقوله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ((ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى)) رواه الترمذي.
أما الثاني فمنه ما هو في العبادات ومنه ما هو في الهيئات, فكان من العبادات نهيه صلى الله عليه وسلم عن مشابهتهم في أوقات الصلاة فكان وقت طلوع الشمس ووقت غروبها من أوقات النهي لهذه العلة وكذلك نهى عن خلع النعال في الصلاة مخالفة لليهود فيما رواه مسلم عنه صلى الله عليه وسلم ((خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم وخفافهم))
وأمر ه صلى الله عليه وسلم بأكلة السحور وبتعجيل الفطر في الصوم مخالفة لهم فيما رواه مسلم: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب: أكلة السحر) وفيما أخرجه أبو داود قال صلى الله عليه وسلم (لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر لأن اليهود والنصارى يؤخرون).
ومن أمره بمخالفتهم في الهيئة ما رواه البخاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم))وكذلك ما رواه البخاري ((جزوا الشوارب وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس))
ومن المخالفة في الهيئة: المخالفة في اللباس ففي الصحيحين عن أبي عثمان النهدي، قال: كتب إلينا عمر رضي الله عنه ونحن بأذربيجان، مع عتبة بن فرقد، ((يا عتبة إنه ليس من كد أبيك، ولا من كد أمك، فأشبع المسلمين في رحالهم، مما تشبع منه في رحلك، وإياكم والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى عن لبس الحرير، قال: إلا هكذا، ورفع لنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأصبعيه: الوسطى والسبابة وضمهما))
وكذلك مخالفتهم في آنية الطعام ((لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة))
والمتتبع لأمثال هذه الأحكام يجدها في السنة كثيرة حتى أصبح جنس المخالفة للكافرين من المتواتر المعنوي في الإسلام، وما ذاك إلا لصيانة المجتمع المسلم.
فإن هذه الأمور التي نُهي المسلم فيها عن التشبه بالكافرين بها قد يراها البعض بعيدة عن القِيَم وعن أصولها ولهذا لا يعرف حكمة النهي، مما دفع العض إلى إنكار حكم مخالفة الكفار بالكلية جرياً على البدعة الجديدة في إنكار كل حكم لا يدركون حكمته.
والتأمل الدقيق يوصلك إلى أن المبالغة في النهي عن التشبه بالكفار كانت مرادة لتعظيم الحاجز بين المسلمين وبينهم وذاك أن المشابهة في الظواهر والعادات واللباس وغيرها توصل حتماً إلى ضعف الحاجز الحضاري بين الفريقين الأمر الذي سوف يؤدي حتماً إلى زوال الهوية الداخلية بعد انكسار حاجز المخالفة الظاهرية.
ومع هذا التأكيد المستمر على المخالفة في العادات والعبادات جاء النص على النهي عن اتباعهم في الأفكار، وهو ما سماه القرآن أهواءً، وجاء النهي فيه شديداً على مثال قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة: 48]
ومثل ذلك ذلك جاء في سورة الأنعام 150والشورى 15والجاثية18.
كل هذه الأمور الخمسة مجتمعة تؤكد على عناية الإسلام بممناعة المجتمع ضد القيم الأجنبية وتأكيده على أن يكون مجموع تلك القيم التي تصنعها الأمة نتيجة ذلك التفاعل الذي قدمناه بين الإنسان المسلم وبين مصادر قِيَمِه.

وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

 
 
                  
                  1433/12/11